البداية مع مطارد
اول ما يواجه سكو، مطارد اسمه خالد نعرف قصته لاحقا، حيث يحكي لنا عن هروبه، واعتقاله بمصر وتعذيبه 'يتعجب المطارد كيف كان الجلاد المصري اقسى من الجلاد الاسرائيلي' ثم هربه الى ليبيا متخفيا بعد عودة السلطة، وقصة خالد التي تظهر وتختفي في سياق البحث عن ما حدث لأهل خان يونس ورفح اثناء الاحتلال الاسرائيلي للقطاع اثناء الاحتلال فيها من مظاهر التمسك بالحق والمبدأ والتعب والخوف وغياب اليقين وهي ان قرئت معزولة لوحدها تمثل شهادة عن التعب الذي يصيب المقاتل بعد رحلة متعبة. المهم في سرد سكو عمّـا حدث عام 56 على الرغم من هامشيته للذاكرة الفلسطينية الحالية، ولكن هذا لا يمنع من محاولة البحث عن القصة لأن ما جرى في تلك الفترة كان مجزرة وقتلا ً عشوائياً بالجملة للسكان ولم يفرق الجنود الاسرائيليون بين الفدائي واللاجئ العادي انه اعتمد على مساعدة دليله عبد الذي يقوم بترتيب برنامجه والبحث عن شهود عيان لما حدث في تشرين الثاني (نوفمبر) 1956. يبدو سكو مهتما بموضوعه فهو يعمل لوقت متأخر وينام ساعتين او ثلاثاً في الليلة. داخل هوامش سكو عن غزة تظهر القصة الكبيرة، فهو يعيش في اليوم مع انه يبحث عن الماضي، يقابل من عانوا من تلك الحرب وابناءهم ويسير في نفس الشوارع التي دخلتها الدبابات وعبرها الجنود ويحاول تتبع اثرهم، لكن خان يونس ورفح وكل القطاع خلال نصف قرن تغير ولم تبق في خان يونس من آثار الزمن الا تلك القلعة المملوكية وفي رفح ظلت المدرسة العامرية التي اقيمت في الثلاثينيات من القرن الماضي على الرغم من التجديدات عليها ستتحول المدرسة الى معسكر اعتقال جمع فيه المحتلون كل رجال وشباب القرية ثم اخذوا من بينهم من اعتقدوا انهم فدائيون.
القصة الكبيرة
القصة الكبيرة عن غزة: البشر والتواريخ الشخصية والمعاناة والهدم والكفاح الذي لم ينته، والموقف السياسي منه، وكيفية الوصول الى بوابة التحرير هي قضايا تحضر في كل شهادات من يقابلهم سكو وفوق كل هذا يقوم الرسام هنا باستحضار صور الامكنة والحياة المكتظة في شوارع خان يونس ورفح، ويعيد الينا صدى الحكايات القديمة عن المشردين من قراهم، ويقدم لنا صوت اليومي والقدر المحيط بأهل القطاع، من تفجيرات، ومعاناة يومية على المعابر والتقاطعات التي اقيمت لحماية المستوطنات 'معبر ابو هولي'. سكو الصحافي يعترف ان غرابته تظل عاملا من عوامل الشك الذي يلاحق تحقيقه ففي مجتمع يقتل فيه الاسرائيليون قادة المقاومة اعتمادا على شبكة عملائهم ففي حالة الصحافي الذي يبحث بقصة قديمة لا يتذكرها الجيل الجديد بل وحتى من عاشها وعاش فظائعها بات يخلطها بنكسة عام 1967. فالشك بنواياه يظل مشروعاً وهو ما لا يغفله الرسام والكاتب وحتى الاولاد الذين يلاحقونه من زاوية الى اخرى لديهم مواقفهم الشاكة من الشبان الذين يأتون للدفاع عن الفلسطينيين ويعرفون بالمتضامنين الدوليين لكن تفسير الاولاد ـ الاحداث هنا لمعارضتهم لهذا الفريق تبدو ساذجة.
صور: لاجئون وطيبون وبشر
ومع كل هذا فسكو وفريقه من الاصدقاء- اصدقاء عبد خاصة اشرف يقدمونه الى قطاع من الفلسطينيين ممن كانوا شهودا على المجزرة وهم وان كانوا لا يزالون يحملون في تلافيف الذاكرة تفاصيل عن تلك الا ان ذكرياتهم على الرغم من اهميتها تتداخل وتتناقض وتنحو للمبالغة في ناحية اخرى وتدعو للتساؤل من ناحيةمصداقية من قدمها، وفي حالات يتردد المشاركون بتقديم حكاياتهم لكن التردد معناه عدم التيقن، ومقابل الرواية الفلسطينية هناك جنود وضباط اسرائيليون كانوا في غزة وقدموا روايات متناقضة تبرئ الجيش الاسرائيلي من الدم الفلسطيني.هل مرور الزمن يعتبر عاملا في غموض الرواية وتلبكها في الذاكرة وهل غيابها عن سجلات التاريخ الرسمي الا من تقرير كتبه مسؤول كبير في الامم المتحدة ما يجعلنا نشك بان شيئا ما لم يحدث فيتشرين الثاني (نوفمبر) 1956؟ نحن هنا امام لعبة ذكية فمجزرة او لا مجزرة، فالمجازر مستمرة وما حدث في تلك السنة يعد حلقة من حلقات التاريخ الفلسطيني المعاصر وكون القصة ميتة في الذاكرة أو مشوشة لان ما تبعها كان اعظم، صحيح ان من فقد فيها عزيزا لا يزال يتذكرها لكن ذاكرته تشوشت لأن الآني والحالي يتسيد تفكيره. القصة ميتة للكثيرين لان كل يوم هو نكبة ونكسة ومجزرة على شاكلة ما يحدث اليوم. يبدو الفلسطينيون داخل صور سكو ونصه الاناس الطيبين الذين يحكون قصتهم وان كان فيها ما فيها من شقوق وفي حيواتهم المتداخلة يبدون وهم يحاولون البحث عن فرح بالعيد وذبح الاضاحي، وفي خروج بعضهم عن المنطق ودعوته للانتقام تعبير عن حالة الغضب الناجمة عمّـا يمارسه الآخر عليهم من حصار وابراج تمنع حتى الاولاد من القراءة في غرفهم، بل وحتى الذهاب للحمامات. ينقل سكو ملامح المجتمع الفلسطيني الذي تحاصره دبابة العدووتحاصره الذاكرة ويرى ان هذا الشعب الذي اعتاد على مشاهدة الموت والسلاح وسماع ازيز الطائرات وقعقة الجرافات، وتتوقف الحياة في شوارع مدنه حيث تمر جثث الشهداء وتفقد الحياة ضجيجها سرعان ما يعود الى حياته وتتمازج الاصوات في الشارع، أصوات المارة والباعة واالحمير والعربات والمتسوقين وفوقهم صوت الطائرات واصوات المؤذنين والسلاح وهتافات الغضب. وتنقل ريشة الفنان صور الحياة هذه بعفوية متدفقة. هنا الفلسطيني في صور الكرتون، ليس بطلا خارقا ولكنه بشري، يحمل كل جمالية الانسان وحزن اللحظة وهمّاليوم. وفي شهادات حضور ذلك التاريخ المنسي تجسد وجوه المشاركين هذا الطابع دون نمطية. يسأل بائع الحلويات الكاتب عن مشروعه ويقول له سكو وهو يشتري منه النمورة التي ادمنها انه مشغول بالكشف عن تلك القصة، بائع الحلويات وان عبر عن دهشته يرى ان سكو بعد خمسين ان عاش سيـأتي ويسأله عن حكايتها التي حدثت في مثل هذا الوقت اي قبل نصف قرن!
اصل الكتاب: الرنتيسي وجذور الغضب
بدأت حكاية هذا الكتاب- التاريخ او التحقيق عام 2001 عندما زار الكاتب سكو فلسطين بمعية الصحافي كريس هيدجز في مهمة صحافية لغزة واجراء تحقيق عنها لصالح مجلة 'هاربر'. في حينها كانت غزة تعيش اشهرها الاولى من الانتفاضة الثانية، كانت مهمة سكو هي التصوير- الرسم. وفي اثناء الرحلة استعاد سكو عبارات من كتاب للمفكر الامريكي المعروف نعوم تشومسكي 'المثلث المشؤوم' وفيها يعود الى تقرير للامم المتحدة عن قتل تم على قاعدة واسعة للمدنيين في خان يونس ورفح عام 1956 وقد وافق كريس في حينه على تضمين القصة في ثنايا التقرير ان كان لها مكان او تضيف مصداقية على نتائج المهمة. وقد قاما بمقابلة اثنين ممنشاهدا عيانا المذبحة التي تمت اثناء حرب السويس، فكل واحد من اهل خان يونس ورفح لديه قصصه الكثيرة التي يرغب في حكايتها عن اهله: ابيه وأمه واجداده. ومن بين من استمع اليهم سكو في تلك الزيارة كان عبدالعزيز الرنتيسي زعيم حماس والذي استشهد لاحقا بصاروخ اسرائيلي، كان الرنتيسي في التاسعة من عمره عندما حدثت المجزرة حيث قتل فيها عمه وتذكر الرنتيسي والده، ودموعه وانتظاره لعمه ويقول انه ظل لا يستطيع النوم لأشهر بعد الحادثة وانه الان عام 2001 يحكي القصة ولا يستطيع حبس مشاعره.
وبعد الانتهاء من التقرير ونشره في هاربر، جاء بدون القصة ويقول سكو انه وجد الامر مثيرا للقرف لانه اذا صدقنا القصة وتقرير الامم المتحدة عن مقتل 275 فلسطينيا عام 1956 في كل من خان يونس ورفح فيجب ان لا يتم رمي هذه المجزرة ووضعها في سياق الهامش المدفون في ثنايا التاريخ، لأن المجزرة كغيرها من المجازر تحمل كما المح عبدالعزيز الرنتيسي جذور العنف والغضب والمظالم. ومن هنا يرى الكاتب ان مجزرة خان يونس قابلة للتجاوز ولهذا قام هو نفسه بعملية حفر ولم يعثر على اي شيء مكتوب عنها بالانكليزية.
وقاده بحثه عن مجزرة خان يونس الى التعرف على امر آخر حدث في رفح بنفس الفترة 12 تشرين الثاني (نوفمبر) حيث قتل فيها اكثر من 100 فلسطيني وعليه جاء تقسيم الكتاب الى قسمين الاول عن خان يونس والاخر عن رفح. وهو نتاج رحلتين قام بهما الى القطاع بين 2002 و 2003 ويعترف الكاتب بقصور الاعتماد على ذاكرة عمرها 50 عاما لكنه حاول كما يظهر سياق الشهادات دراستها ومقارنتها ووضعها في سياقها التاريخي العام، كما وظف باحثين اسرائيليين للبحث في الارشيف الاسرائيلي للدولة وارشيف الكنيست وارشيف صحيفة 'كول هاعام' للبحث عن امكانية اي ذكر للحادثتين. لكن اهم ما في الكتاب اضافة الى شهاداته استعادته لتاريخ التشرد وصورة المخيم في بداياته ومن ثم التغييرات التي جرت على المكان الفلسطيني ومن اجل انتاج او اعادة انتاج المكان فهو يقول ' انا المصمم والمخرج لكل مشهد حدث في فترة الاربعينات والخمسينات منالقرن الماضي' كما اعتمد على الصور المتوفرة لدى وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) كما استعاد صورة المكان والزمن ورائحته من خلال القصص والاستعادات التي قدمها لها الفلسطينيون انفسهم. ويعترف الكاتب هنا خلال بحثه في تاريخ المجزرة ان قراءته للحادثين لم تأت من فراغ فعلى خلفيته جاءت احداث سياسية كبرى: انتفاضة ثانية، استمرار للتدمير والتهجير والقتل. وهو وان كان يبحث في حقائق تاريخ مضى الا انه كان يسجل واقع الفلسطيني وهو في النهاية يؤرخ لحياتهم الحاضرة. ومن هنا فتاريخ المأساة الفلسطينية متواصل ومتداخل وكما يقول في نهاية مقدمته ان الحديث عن حادثة او اخرى من تاريخ المآسي المتواصل اي 'تجميد' الزمن عندهما يعين على فهم ما قاله الشهيد الرنتيسي ان الكراهية 'مزروعة' في القلوب.
تعب المؤرخ والقارئ
سكو في مقابلاته وشهادات الفلسطينيين قام برحلة في الماضي والحاضر فهو وان واجه الدهشة على وجوه من قابلهم الا انه كان نفسه شاهدا على القتل والتدميرـ على تدمير احياء بلوك 'او' و 'جي' في رفح وعلى تدمير بنايات بكاملها في خان يونس، مقتل الناشطة راشيل كوري، ورد الفعل الفلسطيني على احتلال العراق،وموقفهم من السلطة، ورمزية السيادة في غزة. كما دخل بيوت الفلسطينيين وشاهد كيف يتداول الاخوة الفراش لعدم وجود المساحة اللازمة لاستيعابهم. تتحسر امرأة فلسطينية على هدم بيتها الذي بنته خارج خان يونس وتقول انها ستعود الى المخيم من جديد بعد ان غادرته لانها ارادت 'التنفس' تختلط شهادات الماضي بالحاضر ومن خلالها يبرز تاريخ الفلسطينيين. في نهاية رحلته، يشعر الكاتب بالتعب من كثرة ما سأل الشهود اعادةحكاية ما حدث في ملعب المدرسة برفح، تحقيقات، قتل واعتقال وتجميع داخل المكان ساعات طويلة اضطر فيها السجناء إلى التبول في ملابسهم او على بعضهم بعـضاً. ولكن لكل بحث نهايته ففي المرحلة الاخيرة يشعر انه وصل إلى نقطة اللاعودة، مع اعترافه بوجود ما يمكن الكشف عنه لكنه يقول 'المؤرخون يمكنهم مواصلة الحفر لكنه متعب، يريد العودة لحياته ويعرف ان قراءه لديهم نفس الشعور' ومن هنا يترك وراءه شارع البحر بصفاراته وازدحامه. يخرج من رفح مع دليله بعد ان اصبح خبيرا بما حدث يوم 12/11 / 1956 ولكنه يعود الى القصة التي تكررت وانتهت بمن حشدوا في داخل المدرسة وهم يكسرون الجدار ويهربون الى بيوتهم. نفس النتيجة التي توصل اليها ابو جحيش الذي تلقى ضربة على رأسه ونزفت منه الدماء وحاول رفاقه وقف الدم بوضع الرمل على الجرح. ابو جحيش يقول 'من لا يتذكر السياج على البوابة او عندما وقف المخاتير حيث وقفت الجيبات، كم تنهدت ودارت عيوني لانني كنت اعرف عن ذلك اليوم اكثر مما عرفوا'. لكن من يعرف ما حدث بالضبط في ذلك اليوم الذي ظهر شعاعه؟ لا احد يبدو قادرا على تذكر تفاصيله ولكننا من خلال التناقض والتضارب والنفي والتأكيد عرفنا قصة او قصص الفلسطينيين المعفرين بالدم والتراب والندى والمدفونين تحت الانقاض، والمحمولين على النعوش او الهاربين من قدرهم الى قدرهم تحت وابل الرصاص او الابراج وامام نقاط التفتيش وفي داخل السجن الكبير. كتاب جميل يذكرنا بمأساة ما حدث العام الماضي وبداية الحالي ونحن على ابواب الذكرى الاولى لحرب غزة او حروبها. اجمل ما فيه هو صوره وحواري اللاجئين وابنائهم ممن ورثوا اللجوء عنهم ....
** منشور بصحيفة "القدس العربي" بتاريخ 7 ديسمبر 2009
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك وانطلق في عالم خيالاتك